تبدأ مأساة الاختفاء القسري في مصر، وفق الكاتب إقبال جاسات، بطرق على باب المنزل، لكنها قد تنتهي بمحو حياة كاملة من السجلات والوجود العام. ويرى جاسات أن آلاف المواطنين يواجهون منظومة لا تكتفي باعتقالهم، بل تعمد إلى عزلهم عن العالم وإخفاء مصيرهم، في إطار سياسة منهجية تستخدمها السلطات المصرية لإسكات المعارضة وسحق النشاط السياسي وترسيخ الحكم عبر الخوف.



وفي مقال رأي نشره ميدل إيست مونيتور يصف إقبال جاسات الاختفاء القسري بأنه أداة قمع منظمة، ويشير إلى أن تقارير منظمات حقوق الإنسان تكشف عن منظومة تتجاوز الضمانات القانونية وتستند إلى تضافر أجهزة أمنية وقضائية وإدارية لإبقاء الضحايا بعيدًا عن أعين أسرهم والمحامين والرأي العام.



كيف تعمل منظومة الاختفاء القسري في مصر؟



تبدأ العملية باختطاف مفاجئ، إذ ينتزع أفراد من أجهزة الدولة، غالبًا بملابس مدنية، أشخاصًا من منازلهم أو قاعات المحاضرات الجامعية أو الشوارع، من دون إبراز أوامر قبض قانونية. ويدخل الضحية بعد اقتياده إلى مكان احتجاز مجهول في فراغ معلوماتي مقصود، فلا تعرف أسرته مكان وجوده أو الجهة التي تحتجزه.


وتعتمد الدولة، وفق المقال، على إنكار إمكانية إثبات الاعتقال، عبر حذف اسم الشخص من سجلات أقسام الشرطة الرسمية. وعندما تتوجه الأسر المذعورة والمحامون المدافعون عن حقوق الإنسان إلى أقسام الشرطة أو النيابة العامة للاستفسار عن مصير المحتجز، يواجهون جدارًا من الإنكار الإداري، إذ يؤكد المسؤولون أن الشخص لم يُعتقل أصلًا.


وتكشف تقارير موثقة، بحسب الكاتب، عن اعتماد هذه المنظومة على ثلاثة أجهزة رئيسية تعمل بصورة متزامنة.


وتضطلع وكالة الأمن الوطني، التابعة لوزارة الداخلية، بالدور المحوري في هذه المنظومة، إذ ينفذ أفرادها عمليات الاختطاف وينقلون الضحايا إلى أماكن احتجاز غير قانونية أو مقار سرية تابعة للجهاز.


ويُحتجز المعتقلون هناك بمعزل تام عن العالم الخارجي، ويواجهون أشكالًا قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي، بما في ذلك الصعق بالكهرباء والضرب، بهدف انتزاع اعترافات قسرية.


أما نيابة أمن الدولة العليا، فتؤدي، وفق المقال، دورًا يشبه ختم الموافقة على ما تقدمه الأجهزة الأمنية. وبدلًا من أن تراقب عمليات الاحتجاز غير القانونية، تمد النيابة بصورة متكررة فترات الحبس الاحتياطي استنادًا إلى ملفات سرية تقدمها أجهزة الأمن الوطني، بينما تتجاهل، بحسب الكاتب، العلامات الظاهرة للتعذيب أو شكاوى الاحتجاز لفترات طويلة بمعزل عن العالم الخارجي.


وتتولى وزارة الداخلية الإشراف الأوسع على هذه المنظومة، إذ تدير قوات الشرطة وإدارة السجون، وتوفر الشبكة اللوجستية والمنشآت التي تتيح إبقاء الضحايا بعيدًا عن أعين الجمهور.


لكن الحلقة الأخيرة في هذه المنظومة تتمثل في ثغرة قضائية تُعرف باسم «تدوير القضايا». فعندما تقترب أقصى مدة قانونية للحبس الاحتياطي من الانتهاء، تُفتح قضية جديدة ضد المحتجز، وغالبًا ما تتكرر فيها الاتهامات نفسها، مثل «الانضمام إلى جماعة إرهابية» أو «نشر أخبار كاذبة»، ما يعيد احتساب مدة الاحتجاز ويفتح الطريق أمام استمرار الأسر إلى أجل غير محدد.


وبذلك، لا يقتصر الأمر على اعتقال شخص وإخفائه، بل يتحول الاحتجاز إلى دورة يمكن إعادة تشغيلها بصورة متكررة، بما يجعل الخروج من السجن أكثر صعوبة ويُبقي المحتجز داخل دائرة قانونية وأمنية مغلقة.


التعاون الأمني والصمت الأفريقي


لا تعمل هذه المنظومة، بحسب الكاتب، بمعزل عن السياق الجيوسياسي الإقليمي، بل تحظى بدعم تحالفات أمنية راسخة في المنطقة.


ويشير جاسات إلى أن شبكات الاستخبارات الإسرائيلية والمصرية حافظت لسنوات على مستوى قوي من التعاون، خصوصًا في ملفات أمن الحدود ومراقبة حركة العبور عبر الحدود وتعقب الشخصيات السياسية أو المعارضين الذين يُنظر إليهم باعتبارهم تهديدًا أمنيًا.


ويرى الكاتب أن هذا التعاون الاستخباراتي يوفر تغطية استراتيجية للقاهرة لتنفيذ حملات قمع داخلية تحت لافتة مكافحة الإرهاب، كما يجعل من الصعب على المستهدفين العثور على ملاذ آمن خارج البلاد.


وتشير إفادات منظمات حقوق الإنسان، بحسب المقال، إلى أن هذه المنظومة تستفيد من إفلات مؤسسي من العقاب.


ولا يجرّم الإطار القانوني المصري الاختفاء القسري بصورة صريحة، كما ترفض السلطات المصرية بصورة متكررة توصيات دولية تدعوها إلى التصديق على معاهدات توفر حماية للمواطنين من هذه الممارسة.


وفي حين تصدر مؤسسات غربية من وقت إلى آخر بيانات تعرب فيها عن القلق، يرى الكاتب أن الصمت الأكثر إثارة للانتباه يأتي من داخل القارة الأفريقية نفسها.


ويحمّل جاسات الاتحاد الأفريقي واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب مسؤولية اختيار الجمود الدبلوماسي بدلًا من التحرك لحماية حياة المواطنين، رغم كثرة المناشدات العاجلة التي يقدمها المدافعون عن حقوق الإنسان.


ويقول إن اللجنة أخفقت لسنوات في إصدار قرار قوي يتعامل مع الأزمة المتفاقمة لحقوق الإنسان في مصر، وبدلًا من ذلك، اكتفت إلى حد كبير بترديد الروايات الأمنية التي تصوغها القاهرة أو الخضوع لها.
 

ويطرح الكاتب سؤالًا مباشرًا: لماذا يلتزم الاتحاد الأفريقي الصمت؟


ويربط الإجابة بحسابات جيوسياسية ومصالح متبادلة، إذ تتمتع القاهرة بنفوذ سياسي ومالي كبير داخل الاتحاد. وفي أديس أبابا، يقول جاسات، يدفع التردد المؤسسي نحو نوع من التفاهم الضمني بين الدول الأعضاء، حيث تُستخدم مفاهيم السيادة الوطنية و«مكافحة الإرهاب» لحماية الأنظمة السلطوية من المساءلة.


ويحذر الكاتب من أن التعامل مع كارثة إنسانية واضحة باعتبارها مجرد قضية أمن داخلي يخون المبادئ الأساسية التي قامت عليها الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.


جنوب أفريقيا أمام اختبار حقوق الإنسان


يفرض هذا التواطؤ القاري، بحسب جاسات، تحديًا أخلاقيًا كبيرًا على حكومة جنوب أفريقيا، التي تعلن بصورة متكررة أن سياستها الخارجية تقوم على الالتزام بحقوق الإنسان والقيم الدستورية.


ويشير الكاتب إلى أن بريتوريا اكتسبت احترامًا دوليًا بسبب تدخلاتها القانونية الجريئة والمبدئية على الساحة الدولية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.


لكن موقفها من الانتهاكات الحقوقية التي يتهم بها الكاتب دولة مصر، العضو معها في مجموعة بريكس، يظل، وفق المقال، صامتًا بصورة لافتة.


ويرى جاسات أن مطالبة الحكومة الجنوب أفريقية باتخاذ موقف علني وحاسم ضد حملة الاختفاء القسري في مصر ليست مطالبة مبالغًا فيها.


ويقول إن بريتوريا، بوصفها صوتًا مؤثرًا في أفريقيا، تمتلك ثقلًا دبلوماسيًا فريدًا يتيح لها تحدي ما يصفه بإفلات القاهرة من العقاب.


ويضيف أن المجتمع الدولي لم يعد قادرًا على قبول نفي القاهرة، كما لا تستطيع أفريقيا الاستمرار في تحمل صمت الاتحاد الأفريقي، مشيرًا إلى أن الحكومات الأجنبية التي تقدم مليارات الدولارات في صورة مساعدات عسكرية ومالية، إلى جانب الدول الأفريقية، تساهم، بحسب رأيه، في تمكين جهاز أمني يتصرف خارج نطاق المساءلة.


ولا يمكن بناء الاستقرار، وفق الكاتب، على أساس من السجون السرية والعائلات المحطمة واللامبالاة المؤسسية.


ويحذر جاسات من أن قائمة المختفين ستواصل النمو ما لم يسلط العالم، وجنوب أفريقيا خصوصًا، الضوء على ما يجري داخل منظومة الاحتجاز والأمن المصرية.


ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن الصمت أمام الاختفاء القسري لا يمثل موقفًا محايدًا، بل يسمح باستمرار منظومة قمعية تعتمد على الإخفاء والإنكار وإعادة تدوير القضايا، في وقت يفترض فيه أن تضطلع المؤسسات الإقليمية والدولية بدورها في حماية حقوق الإنسان ومساءلة منتهكيها.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260830-egypts-apparatus-of-enforced-disappearance-must-be-halted-silence-by-brics-and-au-not-an-option/